محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

338

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ومنهم من حصل له نصيب من الشرف والجلالة وحظ من الدناءة والرذالة ، وهم الذين فرحوا بالنعم ، لكونها منة من اللّه تعالى عليهم ؛ فمن حيث شهودهم للمنة من ربهم شرفوا وجلت أقدارهم ، وكانت أحوالهم محمودة ، وهي شكر منهم لائق بهم . ومن حيث نظرهم لأنفسهم وبقاؤهم مع حظوظهم كان لهم نصيب من الدناءة والخسة فانحطوا بهذا الوصف عن مراتب الأعلين ، وارتقوا بالوصف الأول عن أحوال الأدنين فخوطبوا بما خوطب به عامة المؤمنين وأواسطهم في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه اللّه تعالى في هذا القسم . وقد ضرب الإمام أبو حامد الغزالي ، رضي اللّه تعالى عنه ، في كتاب « الشكر » لهذه الأقسام الثلاثة مثلا ، فقال : « الملك الذي يريد الخروج إلى سفر فأنعم بفرس على إنسان يتصور أن يفرح المنعم عليه بالفرس من ثلاثة أوجه : أحدها : إن يفرح بالفرس من حيث إنه فرس ، وأنه مال ينتفع به ، وأنه مركوب يوافق غرضه ، وأنه جواد نفيس ، وهذا فرح من لاحظ له في الملك ، بل غرضه في الفرس فقط ، ولو وجده في صحراء فأخذه لكان فرحه به مثل هذا الفرح . الوجه الثاني : أن يفرح به ، لا من حيث إنه فرس ، بل من جهة ما يستدل به على عناية الملك به وشفقته عليه ، واهتمامه بجانبه ، حتى لو وجد هذا الفرس في صحراء ، أو أعطاه له غير الملك لكان لا يفرح به أصلا لاستغنائه عن الفرس أصلا ، ولاستحقاره له بالإضافة إلى مطلوبه من نيل المحل في قلب الملك . الوجه الثالث : أن يفرح به ليركبه ، فيخرج به في خدمة الملك ، ويتحمل مشقة السفر ، لينال بخدمته رتبة القرب منه ، ويرتقى إلى درجة الوزارة من حيث إنه ليس يقنع بأن يكون محله في قلب الملك محل من يعطيه فرسا ويعتني به هذا القدر من العناية ، بل هو طالب لأن لا ينعم الملك بشيء من ماله على أحد إلا بواسطته ، ثم إنه ليس يريد من الوزارة الوزارة نفسها ، بل ( يريد ) مشاهدة الملك ، والقرب منه ، حتى لو خير بين القرب دون الوزارة ، وبين الوزارة دون القرب لاختار القرب . فهذه ثلاث درجات : فالأولى لا يدخل فيها معنى الشكر أصلا ، لأن نظر صاحبها مقصور على الفرس ، ففرحه بالفرس لا بالمعطي ، وهذه حال كل من فرح بنعمة من حيث إنها لذيذة وموافقة لغرضه ، فهو بعيد عن معنى الشكر . والثاني داخل في معنى الشكر من حيث أنه فرح بالمنعم ، ولكن لا من حيث ذاته ، بل من حيث معرفة عنايته التي تستحثه على الإنعام في المستقبل وهذه حال الصالحين